تاريخ دخول الانترنت للسودان قصة يرويها المهندس أحمد صلاح

مانشيت – متابعات
المهندس / أحمد صلاح
العمل بشركة سودانت 1
في عام 1996 ابتُعثت إلى جامعة الخرطوم لنيل درجة الماجستير في نظم المعلومات والاتصالات بكلية الهندسة الكهربائية. وأثناء دراستي عرض عليّ الدكتور عز الدين كامل أمين فرصة للعمل مع شركة سودانت، الشركة الناشئة آنذاك في مجال الإنترنت. ورغم ارتباطي بجامعة الفاشر، قبلت التكليف، مؤمنًا بأن ما قدّره الله فيه خير، خاصة وأن إكمال الماجستير كان سيتطلب عامين على الأقل.
اجتمع كل من البروفيسور نواري، والدكتور عز الدين كامل أمين، والمهندس عادل محمد الحسن، ورأوا أن إدخال الإنترنت إلى السودان أصبح ضرورة وطنية، خاصة في ظل الحصار الذي كان مفروضًا على البلاد. فاتفقوا مع الباشمهندس محمد عثمان لتوفير المعدات اللازمة من الولايات المتحدة، رغم صعوبة المهمة بسبب الحظر الأمريكي. وقد تولّت شركة NSN المهمة عبر موظفها “تيم هوارد”، الذي نجح في استيراد الأجهزة بتكلفة معقولة نسبيًا.
قمنا بتجهيز الموقع في مقر القناة الفضائية بطريقة إبداعية وفق المواصفات الأمريكية: تركيب الطبق، وجهاز الإرسال والاستقبال، وضبط الإشارة، والتوصيلات الكهربائية، ومولد احتياطي مدعوم ببطاريات يمكنها تشغيل الأجهزة لمدة ثماني ساعات في حال انقطاع التيار الكهربائي أو تعطل المولد. كما جهّزنا شبكة داخلية، ومكتبًا لخدمات الجمهور، وآخر للعرض لكبار الزوار.
وفي أحد الأيام وصل إلى الخرطوم مندوب الشركة، “سام”، على متن طائرة تابعة لشركة KLM متجهة إلى كينيا. جاء الرجل حاملًا الجهاز على ذراعه، وأخبرنا أنه سيعود إلى أمريكا في ذات اليوم بعد أن تقلع الطائرة عائدة من نيروبي. وضع الجهاز في مكانه، وأكمل التوصيلات مع القمر الصناعي، ثم بدأ في تشغيل النظام وإدخال العنوان المخصص للسودان وبعض الأوامر. لكن ظهرت له رسالة خطأ متكررة، وبدأ العرق يتصبب من جبينه وهو يعيد المحاولة بلا جدوى.
طلبت منه أن يسمح لي بالمساعدة، فرفض في البداية ثم وافق على مضض. وبمجرد أن أدخلت الأمر الصحيح، انفتحت بوابة الإنترنت إلى السودان لأول مرة؛ وتدفقت البيانات، وانطلقت الصور والألحان والأفلام في سيل متدفق لم ينقطع منذ ذلك اليوم.
أجرى “سام” بعد ذلك تدريبًا قصيرًا لنا استمر نصف ساعة فقط، عرّفنا فيه على أهم المواقع وكيفية مساعدة المشتركين في الدخول إلى الشبكة والبحث عن المعلومات. ثم جاءه اتصال من المطار يخبره بأن طائرته جاهزة، فودّعنا مسرعًا.
المفارقة أن “سام” لم يكن متخصصًا في الحاسوب كما ظننا، بل كان في الأصل يعمل “ساعاتيًا” أو “صانع زجاج” حسب قوله. وحتى خلال تشغيل النظام، أخطأ مرارًا لأنه كتب أمر التشغيل ifconfig على شكل كلمتين منفصلتين (if config)، وهو أمر أساسي في أنظمة Unix/Linux يُستخدم لضبط واجهات الشبكة. هذا الخطأ البسيط كاد أن يعطل تشغيل الخدمة لولا أن تداركناه في اللحظة الحاسمة.







