
مانشيت – متابعات
مع تصاعد التنافس السعودي- الإماراتي، طائرة شحن تتبع لأبوظبي تنفّذ عدة رحلات عبر الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وخارجه
ميدل إيست آى – بقلم: سايمون هوبر وأوسكار ريكت
21 /يناير /2026
كشفت «ميدل إيست آي» أن طائرة شحن سبق ربطها بتوريد أسلحة إلى مقاتلين مدعومين من الإمارات في السودان وليبيا، نفّذت خلال الأيام الماضية عدداً من الرحلات بين قواعد عسكرية في أبوظبي وإسرائيل والبحرين وإثيوبيا.
ورغم عدم وضوح الغرض من هذه الرحلات أو أي صلة مباشرة بينها، فإنها جاءت في سياق صراع نفوذ متسارع بين الإمارات والسعودية عبر اليمن والقرن الأفريقي، قلبَ الجغرافيا السياسية للمنطقة وأثار مخاوف من تصعيد جديد في حرب السودان.
وقد وُضعت الإمارات في موقف دفاعي بعد أن أطلقت السعودية عملاً عسكرياً لإخراج «المجلس الانتقالي الجنوبي» المدعوم إماراتياً من مدينة عدن الساحلية في اليمن، واضطرت كذلك إلى الانسحاب من قاعدتها العسكرية الرئيسية في بوصاصو على الساحل الصومالي المقابل.
وفي الأثناء، زاد اعتراف إسرائيل بـ«صوماليلاند»—حيث تحتفظ الإمارات بقاعدة عسكرية أخرى وتسيطر على ميناء بربرة—من زعزعة النظام الإقليمي، وأثار تكهنات بأن إثيوبيا، الحليف الوثيق لأبوظبي، قد تكون على وشك اتخاذ خطوة مماثلة مقابل الحصول على منفذ إلى بربرة.
أما الحرب في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، التي اندلعت في أبريل 2023 وتسببت بأكبر أزمة إنسانية في العالم، فقد باتت جزءاً أصيلاً من هذا الصراع، مع تكثيف السعودية—إلى جانب مصر وتركيا—دعمها العسكري للقوات المسلحة السودانية في محاولة لموازنة الرعاية الإماراتية طويلة الأمد لقوات الدعم السريع.
وأدّى الغموض الذي يكتنف قاعدتي الإمارات في بربرة وبوصاصو بعد إلغاء الحكومة الصومالية جميع اتفاقياتها مع أبوظبي إلى إعادة انتشار عناصر إماراتية في إثيوبيا، التي باتت—وفق مصادر عدة، بينها مستشار حكومي إثيوبي سابق—محورية في استراتيجية الإمارات بالمنطقة.
وقال المستشار، الذي عمل لأكثر من عقد مع حكومة أديس أبابا، إن رئيس الوزراء آبي أحمد علي «يبدو، بلا شك، أنه يرى المستقبل في اصطفاف إثيوبيا بقوة مع تحالف الإمارات، لا مع خيارات أخرى».
وأضاف: «يعتقد بعض المسؤولين في وزارة الخارجية الإثيوبية وغيرها أن الإمارات هي من كانت تمسك بخيوط القرار الإثيوبي فيما يخص حكومة السودان وقوات الدعم السريع وإريتريا حول ميناء عصب خلال العامين الماضيين»، مشيراً إلى أن آبي «كاد يغزو عصب العام الماضي بتحريض من أبوظبي».
وقال جليل حرشاوي، الباحث المتخصص في شمال أفريقيا والاقتصاد السياسي، لـ«ميدل إيست آي» إنه منذ اندلاع حرب السودان «تحركت الإمارات بسرعة وجرأة والتزام مالي يفوق أي متدخل خارجي آخر».
لكنه أضاف أن «انتصار السعودية على الإمارات في اليمن أواخر العام الماضي عزّز مصداقية الرياض الإقليمية»، وأن السعوديين «ينفقون الآن بقوة لتغيير مسار حرب السودان».
وكان مسؤولون باكستانيون قد أبلغوا وكالة رويترز مؤخراً بأن مفاوضات متقدمة تجري بشأن حزمة دفاعية تُقدَّر بنحو 1.5 مليار دولار، تشمل مقاتلات JF-17 بلوك III، وطائرات الهجوم K-8، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة لصالح القوات المسلحة السودانية.
وقال حرشاوي: «بينما سيُعيد عدد من الفاعلين الإقليميين التموضع استجابةً لمبادرات الرياض، فإن إثيوبيا لن تفعل ذلك. ستظل أديس أبابا إلى جانب الإمارات. لذلك تركّز الإمارات عملياتها العسكرية على الأراضي الإثيوبية، استعداداً لهجوم كبير بعد أن عطّلت التحركات السعودية مناطق تمركز أخرى».
*طائرات شحن إماراتية*
أظهرت بيانات تتبّع الرحلات التي حللتها «ميدل إيست آي» نمطاً من الرحلات المتكررة بين أبوظبي ومطار هرار ميدا—القاعدة الرئيسية للقوات الجوية الإثيوبية—تنفذها طائرة شحن من طراز أنتونوف An-124 تشغّلها شركة «ماكسيموس إير» وتحمل رقم التسجيل UR-ZYD.
وتُوصَف أنتونوف An-124 بأنها أكبر طائرة نقل عسكري في العالم. ويذكر موقع «ماكسيموس إير» أنها قادرة على حمل «21 سيارة تويوتا لاند كروزر أو أربع مروحيات Mi-17 MTV بسهولة».
في 3 يناير، أقلعت الطائرة من مطار أبوظبي الدولي إلى هرار ميدا، حيث هبطت الساعة 9:12 صباحاً بالتوقيت المحلي (6:12 بتوقيت غرينتش)، ثم أقلعت مجدداً عند 10:45 صباحاً (7:34 غرينتش) وعادت إلى أبوظبي. وفي 12 يناير، نفّذت الرحلة نفسها مجدداً إلى هرار ميدا، لكن هذه المرة انطلقت من قاعدة الظفرة العسكرية بأبوظبي، وهبطت الساعة 10:50 صباحاً وعادت إلى أبوظبي عند 1:34 ظهراً.
وقال ناثانييل ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، إن «الأدلة على قيام طائرة An-124—بالنظر إلى قدرتها الكبيرة على نقل الحمولات—بتنفيذ طلعات متكررة بين أبوظبي وهذا المطار القريب من منطقة تشهد تصاعداً في وجود ونشاط قوات الدعم السريع ينبغي أن تثير قلقاً عالمياً».
وأضاف: «إذا ثبت أن هذه الرحلات نتيجة لإمداد الإمارات لقوات الدعم السريع، فإن على إثيوبيا أن تحذو حذو جيرانها وأن تغلق فوراً مجالها الجوي أمام الإمارات ووكلائها».
كما أفاد مصدر استخباراتي سوداني بأن قوات الدعم السريع اشترت مؤخراً «ما لا يقل عن ست طائرات مقاتلة» من طراز سوخوي Su-24 وميغ-25، التي غالباً ما تأتي من صربيا، المرتبطة بعلاقات متطورة مع «إنترناشيونال غولدن غروب»، وهي شركة دفاع إماراتية.
وأوضح المصدر أن الطائرات—بما في ذلك أجنحتها ومحركاتها—تُفكك ثم تُنقل على متن طائرات شحن من الإمارات إلى إثيوبيا أو إلى قاعدة الكُفرة الجوية في شرق ليبيا، الخاضعة لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر.
وقد تواصلت «ميدل إيست آي» مع وزارة الخارجية الإماراتية ووزارة الخارجية الإثيوبية وقوات الدعم السريع وشركة «ماكسيموس إير» لطلب تعليق. وكانت الإمارات قد نفت دعمها لقوات الدعم السريع، التي وُجهت إليها اتهامات واسعة بارتكاب إبادة جماعية في دارفور بغرب السودان.
*صلة حفتر*
تصف «ماكسيموس إير»، التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها، نفسها بأنها «أكبر شركة طيران شحن بالكامل في الإمارات». وهي جزء من مجموعة «أبوظبي للطيران»، المملوكة بالأغلبية لصندوق الاستثمار «ADQ» برئاسة مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان.
وبحسب أحدث تقارير المجموعة، فإن من بين عملاء «ماكسيموس إير» «القيادة العامة للقوات المسلحة، وديوان ولي العهد، ووزارة الخارجية، وعدداً من الجهات الحكومية الأخرى».
غير أن عمليات الشركة جذبت في السابق اهتمام فريق خبراء تابع للأمم المتحدة كان يحقق في توريد الإمارات للأسلحة إلى قوات حفتر خرقاً للعقوبات، إذ تخوض تلك القوات قتالاً ضد الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس منذ سنوات.
وفي تقرير عام 2021، اتهم الفريق «ماكسيموس إير» بانتهاك قرار أممي يحظر التوريد المباشر أو غير المباشر للأسلحة إلى أطراف الصراع في ليبيا. وحدد التقرير 12 رحلة «مشبوهة» نفذتها الطائرة UR-ZYD بين عصب في إريتريا ومرسى مطروح في مصر، واعتبرها جزءاً من «جسر جوي» إماراتي سري لإمداد حفتر بالسلاح—علماً بأن قواته قدّمت لاحقاً دعماً لقوات الدعم السريع في حرب السودان.
وقالت لانا نسيبة، سفيرة الإمارات لدى الأمم المتحدة آنذاك، في 2021 إن الاتهامات «غير صحيحة»، وإن حكومة الإمارات «تنفيها جملةً وتفصيلاً».
وفي يونيو من العام الماضي، ساعدت ميليشيات متحالفة مع حفتر قوات الدعم السريع على السيطرة على الجزء السوداني من منطقة المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، كما تتبعت «ميدل إيست آي» عدداً كبيراً من رحلات الشحن المرتبطة بالإمارات إلى قاعدة الكُفرة، التي شكلت نقطة إمداد رئيسية لقوات الدعم السريع.
واليوم يتعرض صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، لضغوط سعودية لوقف مساعدة الإمارات في دعم قوات الدعم السريع. كما بدأت مصر—التي كثفت دعمها السابق للقوات المسلحة السودانية—بقصف أرتال إمداد تابعة لقوات الدعم السريع قرب حدودها.
ويوم الاثنين، دخل قرار «إغلاق مؤقت» لقاعدة الكُفرة حيز التنفيذ بدعوى «إصلاح المدرج» لمدة شهر. غير أن المدرج جرى تجديده في فبراير 2024، ويُعتقد أن الإعلان عن الإغلاق يهدف إلى كسب وقت لعائلة حفتر للاختيار بين الإمارات والسعودية.
وقالت خلود خير، المحللة السودانية وخبيرة السياسات، لـ«ميدل إيست آي»: «أصبح القرن الأفريقي الآن رهينة لما يحدث في الرياض وأبوظبي. نحن نشهد ترسّخ هذا النفوذ الخليجي الذي رأيناه خلال السنوات الخمس الماضية… كثير من دول المنطقة باتت تتخذ قراراتها بناءً على أي بلد خليجي تصطف معه».
*رحلات محمد بن زايد*
قدّر تقرير الأمم المتحدة لعام 2021 أن كل رحلة نفذتها الطائرة UR-ZYD كانت تنقل حمولة تصل إلى 18 مركبة عسكرية، وحدد محمد بن زايد—الرئيس الحالي للإمارات وولي عهد أبوظبي آنذاك—بوصفه «المالك المنتفع» من الطائرة.
وجاء في التقرير: «لم يقتنع الفريق بدقة الوثائق التي قدمتها شركة ماكسيموس إيرلاينز».
كما ربط باحثون في تتبع الطائرات بالاعتماد على المصادر المفتوحة الطائرة نفسها بإمدادات أسلحة إماراتية عبر تشاد إلى قوات الدعم السريع في السودان.
وفي سبتمبر 2023، أبرز حساب على منصة «إكس»—أصبح لاحقاً غير نشط—16 رحلة نفذتها الطائرة خلال خمسة أشهر بين أبوظبي ونجامينا في تشاد. وكان الحساب ذاته قد ربط الطائرة سابقاً بإمدادات أسلحة إماراتية إلى إثيوبيا خلال حرب تيغراي عام 2021.
ولم ترد «ماكسيموس إير» على طلبات «ميدل إيست آي» للتعليق.
وأشارت تقارير «أبوظبي للطيران» السنوية لعامي 2022 و2023 إلى «المهمة الإنسانية» لشركة الطيران دعماً «لجهود الإمارات الإنسانية للاجئين والنازحين». وقالت المجموعة إن «الخدمات الإنسانية والإغاثية أصبحت مكوّناً أساسياً من عمليات ماكسيموس إير، حيث تعمل الشركة عن كثب مع هيئة الهلال الأحمر الإماراتي لتقديم حلول متكاملة لدعم الدول المتضررة حول العالم».
وذكرت التقارير نقل مروحيتين من طراز Mi-17 من الصين إلى أوغندا عام 2023 لنشرهما ضمن مهمة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في منطقة أبيي بين السودان وجنوب السودان.
ويبدو أن صلات الطائرة UR-ZYD بمحمد بن زايد تتجاوز مزاعم تورط الإمارات في تسليح أطراف مفضلة في نزاعات إقليمية.
ففي الشهر الماضي، كانت الطائرة ضمن موكب من طائرات الشحن رافق الرئيس الإماراتي في زيارة رسمية إلى باكستان.
وأفادت وسائل إعلام إقليمية بأن محمد بن زايد كان أيضاً في البلاد للمشاركة في موسم الصيد السنوي الذي يستمتع به أساساً أفراد من العائلات المالكة العربية لصيد طائر الحبارى، وهو طائر ثمين يُعتقد أن لحمه يتمتع بخصائص مُنشِّطة.






