
مانشيت – متابعات
من المفارقات اللافتة في المشهد السياسي السوداني أن مايسمى بالقوى الرافضة للحرب كانت في مراحل سابقة، تسعى بكل قوة للدفع نحو الحوار السياسي عندما كان يُدار من خارج السودان، وتشارك في المبادرات واللقاءات التي تستضيفها العواصم الإقليمية والدولية، لكنها اليوم ترفض الحوار من الداخل، بل إن بعضها يتساءل عن جدوى الحوار في ظل استمرار الحرب.
وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لمن يرفض الحرب أن يرفض الحوار في الوقت نفسه؟
وإذا كان استمرار الحرب هو السبب في رفض الحوار، فما البديل؟ وهل يمكن الوصول إلى السلام من دون حوار، أم أن المطلوب ببساطة هو حوار وفق شروط وموازين قوى تضمن لبعض الأطراف اليد الطولى في تحديد أجندته ومخرجاته؟
ربما تكمن المشكلة الحقيقية في أن جزءا من القوى السياسية السودانية لا ينظر إلى الحوار باعتباره وسيلة لإنقاذ الدولة وإنهاء الحرب، وإنما باعتباره محطة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، بحيث يدخلها كل طرف وهو يراهن على القوة العسكرية التي يعتقد أنها ستمنحه الأفضلية على طاولة التفاوض.
وهذا يقود إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: أيهما أجدى للسودان.. حوار سوداني-سوداني في ظل استمرار الحرب، أم حوار يبدأ بعد أن تسكت البنادق؟
لا توجد إجابة سهلة على هذا السؤال، فالحوار أثناء الحرب قد يكون ضروريا إذا كان قادرا على المساهمة في وقفها، لكنه يصبح عبئا إضافيا إذا تحول إلى ساحة للصراع السياسي أو إلى محاولة لشرعنة الأمر الواقع الذي فرضته البندقية. وفي المقابل فإن انتظار نهاية الحرب بصورة كاملة قبل بدء أي حوار قد يعني إطالة أمدها، خصوصا إذا كان الحوار نفسه يمكن أن يكون جزءا من الطريق إلى إيقاف القتال.
لذلك، فإن المعضلة ليست في متى يبدأ الحوار بقدر ما هي في ماذا يريد السودانيون من الحوار؟ ومن يدير أجندته؟ ولأي غاية؟
من الواضح أن كثيرا من القوى السياسية السودانية تريد الحوار، لكن تركيز بعضها يبدو منصبا بدرجة أكبر على الطرف الذي سيحسم الحرب لصالحه، وكأن الرهان السياسي لم يعد على إرادة السودانيين وصندوق الانتخابات، وإنما على القوة التي ستصل إلى نهاية المعركة منتصرة، وهنا تبرز مخاوف أكبر أن يتحول الصراع السياسي إلى انتظار لمن يضع يده أولا على مفاتيح القوة، وأن يسعى بعض السياسيين، أو حتى جلهم، إلى حجز مقعد في السلطة على رأس دبابة، بدلا من أن يصل إليها بإرادة الناخب السوداني.
وهذا هو الخطر الذي ينبغي أن يتنبه إليه الجميع؛ لأن السودان لا يحتاج إلى استبدال تحالف سياسي بتحالف عسكري، ولا إلى إعادة إنتاج السلطة عبر موازين القوة، وإنما يحتاج إلى تأسيس دولة وطنية تكون فيها المؤسسة العسكرية مؤسسة للدولة وليست أداة للصراع السياسي، وتكون فيها الأحزاب والقوى المدنية منافسة عبر البرامج وصناديق الاقتراع، لا عبر التحالف مع البندقية.
من هنا فإن الأولوية الآن ينبغي أن تنصب على إيقاف الحرب، سواء تم ذلك عبر حسم عسكري يضع حداً لتمرد يهدد الدولة، أو عبر تفاوض جاد يحفظ سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته، ويمنع تحويل البلاد إلى مناطق نفوذ أو دولة مقسمة بين مراكز قوى.
وبعد ذلك، أو بالتوازي معه إذا كان الحوار قادرا على الإسهام في وقف الحرب، يأتي الحوار السوداني الشامل؛ حوار لا تكون فيه رهانات على الجيش أو مليشيا الدعم السريع، ولا انتظار لمن سينتصر عسكريا حتى يُمنح حق كتابة مستقبل السودان، وإنما حوار يستند إلى إرادة السودانيين وحدهم.
أما إذا أرادت القوى السياسية السودانية أن تتحاور الآن، فلا ينبغي أن تكون أجندة الحوار هي اقتسام السلطة أو البحث عن ترتيبات سياسية مؤقتة، بل يجب أن تنحصر أولوياته في كيفية إنهاء الحرب وبناء الطريق إلى الدولة الوطنية. حوار يبحث في أسباب الحرب، ويضع ترتيبات إنهائها، ويؤسس لمرحلة انتقالية حقيقية، ويحدد أسس العدالة والمحاسبة، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويمهد لانتخابات حرة يقرر فيها السودانيون من يحكمهم.
فالسؤال في النهاية ليس من يجلس على كرسي السلطة بعد الحرب؟، بل: كيف نبني دولة لا يستطيع أحد أن يصل إلى السلطة فيها إلا بإرادة الشعب؟، وهنا تحديدا ينبغي أن يكون الحوار السوداني من الداخل مختلفا عن كل الحوارات التي سبقته: حوارا لإنقاذ الدولة، لا لتقاسمها، وحوارا لإنهاء الحرب، لا لإدارة صراعها السياسي، وحوارا يمهد لصندوق الانتخابات، لا لحجز مقعد سياسي فوق ظهر دبابة.
صباح موسى






