الأخباراجتماعيمنوعات

بعد محاولات الملي_شيا تدمير النسيج السوداني… “القومية تنتصر” من أم درمان بمبادرة تاريخية تجمع الشمال بدارفور

مانشيت – امدرمان 

تقرير :سارة الوليد 

حين تلتئم جراح الوطن برباط الحضارة :

في لحظة تاريخية فارقة تستدعي فيها الدولة السودانية كل عناصر قوتها الصلبة والناعمة لمواجهة مهددات الوجود، شهدت مدينة أم درمان الصامدة اليوم تدشين واحدة من أهم المنصات الوطنية لتعزيز الجبهة الداخلية ورتق النسيج الاجتماعي، حيث انطلقت رسمياً مبادرة التواصل الاجتماعي وتعزيز معرفة التراث وحضارات السودان تحت شعار بليغ وموجز: القومية تنتصر.

المبادرة التي تم تدشينها في المركز الثقافي بأم درمان، خلال المؤتمر التنويري الخامس والخمسين لوزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الذي نظمته وكالة السودان للأنباء (سونا)، جاءت برعاية من عضو مجلس السيادة الانتقالي الأستاذ صلاح الدين آدم تور، وبإشراف مباشر وتنسيق مشترك بين واليي ولايتي جنوب دارفور والشمالية. وهي تمثل امتداداً استراتيجياً وتنفيذاً حركياً لمخرجات ملتقى التفاخر لفعاليات دروب دارفور الشامل الذي انعقد في العاصمة الإدارية بورتسودان في ديسمبر 2025 تحت رعاية نائب رئيس مجلس السيادة.

أولاً: فلسفة المبادرة والأهداف الاستراتيجية :

تتجاوز هذه المبادرة الأطر التقليدية للعمل الثقافي، لتتحول إلى مشروع تلاحم قومي حقيقي يسعى لربط وجدان أهل السودان ببعضهم البعض عبر بوابات الهوية المشتركة. وتتلخص الأهداف الكلية للمبادرة في حقائق ثابتة:

أولى هذه الغايات هي تمزيق خطاب الكراهية وتدمير كافة الأجندات والخطابات العنصرية والإقصائية التي عملت الميلي_شيا المتمردة على الترويج لها لتفتيت النسيج الاجتماعي. 

ويلي ذلك إعلاء الهوية الوطنية الجامعة ببناء جسور متينة للتواصل المجتمعي والتعريف بالإرث الحضاري والثقافي بوصفه رصيداً وطنياً مشتركاً لكل السودانيين.

 كما تهدف المبادرة إلى تحويل الثقافة والفنون إلى أداة لجمع الصف، واستغلال الآداب والفنون كمدخل رئيسي تتلاقى فيه المجتمعات وتتمازج، مع إرساء قيم التسامح، والترحم, والتواضع. وفي الجانب العدلي، تبرز القوة الحقيقية للمبادرة بتشكيل لجنة قانونية كاملة وصارمة تعمل في الإطار القانوني لتوقيف وملاحقة المتمردين والمتعاونين معهم لينالوا جزاءهم العادل.

ثانيا : آلية العمل الميداني.. التمازج بين جنوب دارفور والشمالية:

أعلن والي ولاية جنوب دارفور، الأستاذ بشير مرسال حسب الله، أن نقطة الانطلاق التنفيذية للمبادرة ستكون متوجهةً صوب الولاية الشمالية، وذلك نظراً لما تشهده الجغرافيا السودانية الحالية من حركة نزوح واسعة، حيث استقبلت الولاية الشمالية أعداداً كبيرة من المواطنين، بجانب ولاية نهر النيل التي شكلت محطة ومرتكزاً لفعاليات النازحين.

 ولتحقيق أهداف المبادرة على أرض الواقع، تم تصميم برامج ميدانية مبتكرة تضمن استدامة الأثر وتعميق الروابط. 

الروابط التعليمية ومبادرة المدارس التوأم:

أوضح الأستاذ الفاتح حماد بهلول، رئيس المبادرة، أن الخطة تتضمن أفكاراً عملية لربط الأجيال القادمة، حيث سيتم تأسيس مدرسة باسم الفاشر في الولاية الشمالية، وفي المقابل سيتم تأسيس مدرسة باسم دنقلا أو الدبة في مدينة نيالا أو الفاشر فور إتمام تحرير إقليم دارفور بالكامل، على أن تُعمم هذه التوأمة التعليمية في كافة أرجاء السودان لتعزيز شعور الانتماء الواحد.

الرياضة كلغة عالمية للتواصل:

يتضمن البرنامج تنظيم مباريات في كرة القدم تجمع بين السكان المحليين والنازحين في منطقة الدبة، بهدف إيجاد تفاهم عميق وكسر الحواجز النفسية بين الشعب المضيف والشعب المستضاف، والتأكيد على أن كل أجزاء السودان هي وطن للمواطن السوداني أينما حل.

آليات الشباب والمنصات الرقمية:

الجديد في هذه المبادرة هو الاعتماد على طاقة الشباب الحية، حيث تم تكوين آليات تنفيذية بواسطة اتحاد شباب السودان لإدارة المبادرة ميدانياً، بالتزامن مع إطلاق منصة رقمية موحدة للمبادرة على وسائل التواصل الاجتماعي لضمان وصول الرسائل الوطنية إلى أكبر شريحة ممكنة ومجابهة الشائعات.

ثالثاً: المرتكزات الأساسية للمبادرة التاريخ، التصوف، والإدارة الأهلية

يقوم البناء الهيكلي للمبادرة على ثلاثة تفرعات مجتمعية وتاريخية تمثل صمامات أمان الوجدان السوداني. 

العمق الحضاري والتاريخي ومواجهة الجهل بالهوية:

تسعى المبادرة لربط الجيل الحالي بجذوره الضاربة في القٍدم من خلال تنظيم زيارات للآثار والرموز التاريخية والتعريف بحضارات السودان المحورية في قيادة البشرية.

 يشمل البرنامج زيارة مدينة نبتة العاصمة التاريخية والدينية الأولى لمملكة كوش النوبية، والتي شهدت فجر أول حضارة وطنية علمت البشرية مبادئ الهندسة، والميكانيكا، والعلوم. ويسلط الضوء على سير الملوك العظام كالملك ترهاقا والملك بعنخي، والرموز الحضارية كزهرة اللوتس، ومحطات العبور التاريخية مثل مسجد عبد الله بن أبي السرح في النوبة القديمة. ويمتد البرنامج إلى مدينة مروي الدفوفة لاستصحاب مخرجات المؤتمر الجامع للعلماء عام 2021 الذي شارك فيه 74 عالماً وأكدوا أن هناك حضارة سودانية قديمة حكمت العالم. وفي إرث الآداب، يتم تنظيم زيارة مخصصة لمدينة كرمة، وزيارة منزل الأديب العالمي الطيب صالح والتعريف برواياته التي نقلت الثقافة السودانية إلى العالمية.

وتأكيداً على حماية الهوية، شددت المبادرة على ضرورة وضع خطة عاجلة لحماية الآثار السودانية التي تعرضت لسرقات ممنهجة وترحيل لدول مجاورة نتيجة لضعف الاهتمام الشعبي بها، ودعت إلى تأسيس هيئة شعبية لحماية الآثار، والعمل على إخراج الآثار التي ما زالت مدفونة في الولاية الشمالية كإرث للبشرية.

المسار الروحي والأخلاقي ودور الطرق الصوفية:

أشار الشيخ علي عبد المكرم، ممثل الطرق الصوفية، إلى أن المنهج الصوفي هو الركيزة الأساسية في تزكية النفوس، ونشر قيم التراحم، والتواضع، وحب الخير للناس. وأكد أن الزوايا والمجمعات الإسلامية المنتشرة في ربوع البلاد هي الدعامة الحقيقية لإصلاح ذات البين، وإيواء الفقراء والمساكين والمهاجرين. والتصوف في السودان بمختلف طرقه من تيجانية، وختمية، وسمانية، وبرهانية، وقادرية، يمثل مشرباً واحداً يذيب العصبيات، فالجميع يخلعون أحذيتهم وألقابهم خارج أبواب المساجد ليقفوا في صف واحد متساوين أمام الله، وهو جوهر محاربة التعصب والإقصاء.

التماسك الأهلي والتلاقح الثقافي بين الإدارة الأهلية والمجتمع:

أكد د. أبو القاسم عمر، ممثل الإدارة الأهلية، أن الإدارة الأهلية تضطلع بدور محوري في مناهضة خطاب الكراهية وحفظ التراث. واستشهد بالتاريخ الأزلي الذي يربط الشمال بدارفور، حيث كان لمعلمي الشمال بصمات واضحة في أرياف دارفور، وبالمقابل كانت دارفور البوابة الوارفة لاستقبال قوافل الحجيج ورجالات الدين من عمق إفريقيا. هذا التلاقح يتجلى حتى في المطبخ السوداني كأكلات دارفور التراثية مثل كفر دودو وماما تشع، والتي تمثل دليلاً على الثقافة والحضارة والتكامل الاجتماعي القائم على المصاهرة والتجارة.

 وكما يقول المثل الدارفوري الأصيل: الجمرات بتقرقع، والمقصود أن الاختلافات العابرة بين الأهل طبيعية، لكنها لا تفسد النسيج الواحد.

 رابعاً: الإسناد الوطني المطلق ودعم القوات المسلحة:

شهد حفل التدشين مواقف وطنية حاسمة أكدت على التفاف المبادرة بكافة مكوناتها خلف شرعية الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية. 

موقف الفريق عبد الرحمن الصادق المهدي والدعم العسكري:

أعلن الفريق عبد الرحمن الصادق المهدي، نائب رئيس مجلس الحل والعقد بهيئة شؤون الأنصار، دعمه ومساندته الكاملة للمبادرة، مؤكداً أنها جاءت في وقتها المناسب لمعالجة أسباب الحرب في ظل استهداف الدولة السودانية، وأوضح أن أهداف المبادرة تلتقي تماماً مع أهداف القوات المسلحة في القومية والتلاقح الاجتماعي، رافعاً شعار: كل أجزائه لنا وطن.

وفي حديثه الداعم للمؤسسة العسكرية، وقدّم الفريق عبد الرحمن الصادق المهدي مثالاً برئيس مجلس السيادة، القائد العام الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مبيناً أنه بحكم عمله وتنقلاته الواسعة في الخدمة العسكرية يمثل نموذجاً لمعرفة تفاصيل وحقائق أقاليم السودان المختلفة في الشمال والوسط والشرق والغرب، وهي الميزة التي تنطبق على كل أفراد وجنود القوات المسلحة الذين خدموا في كل بقاع البلاد وعاشروا أهلها. وأضاف بحسم وحقيقة: لا يوجد حياد في ظل استهداف الدولة، وحرب 15 أبريل أوضحت تماماً من يقف مع الوطن ومن يقف ضده، متمنياً تحرير دارفور في القريب العاجل.

الجيش وعاء القومية ورفض التفتيت السياسي:

شدد المتحدثون على أن القوات المسلحة السودانية والأجهزة الأمنية والمشتركة والمخابرات هي الأمان البيئي والاجتماعي الحقيقي للبلاد، وأن دعمها فرض عين على كل سوداني صوناً للأرض والعرض. وأكدت قيادات المبادرة، بمشاركة القائد خالد ثالث رئيس حركة شباب التغيير والعدالة، أن الهدف الأسمى هو الدولة الشاملة الموحدة، وأن الاتهامات الحزبية أو الأيديولوجية المعلبة مثل رمي الأطراف بصفة الشيوعية أو غيرها هي مجرد مخططات خبيثة ومدروسة لإضعاف الجبهة الداخلية، وهو ما لن يسمح به الشعب السوداني الواعي.

خاتمة واستشراف: نحو سودان الغد والمستقبل

انطلقت مبادرة التواصل الاجتماعي من أم درمان، مسنودةً بجهود وطنية خالصة تنبع من قيادات وجماهير ولايات دارفور والشمالية وبقية بقاع السودان، وبتنسيق كامل مع شركائها في وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة.

الرسالة اليوم واضحة وجلية لا مراء فيها: إن السودان جسم واحد لا يقبل القسمة، وأسلافنا الذين كانوا أبطالاً وصناعاً للحضارة يمدوننا اليوم بالقوة لنقف في خندق واحد مع قواتنا المسلحة، والقوات المشتركة، والأمن، والمخابرات، حتى يتم التحرير الكامل، ومن ثم الانطلاق بقوة وعزم لبناء سودان العزة، والعدالة، والمستقبل المشرق.

القومية تنتصر… وعاش السودان حراً موحداً شامخاً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى