مانشيت – متابعات
مقدمة من المترجم الصحفي : يوسف كامل امين
ترجمت لكم هذا المقال للباحث والصحفي المتخصص في النزاعات Thomas van Linge، المنشور في موقع Fronts بتاريخ 31 أغسطس 2026، بعنوان لافت: «القوات شبه العسكرية السودانية هي أكثر حركات التمرد تمويلًا في العالم، ومع ذلك فهي تخسر الحرب». والكاتب معروف بمتابعته للنزاعات المسلحة ورسم خرائط السيطرة والتحولات الميدانية في عدد من مناطق الصراع حول العالم.
الفكرة الأساسية التي يحاول المقال تفسيرها هي: كيف يمكن لقوات الدع_م السريع، التي يصفها الكاتب بأنها من أكثر حركات التمرد تمويلًا وتسليحًا منذ عقود، والتي تتلقى دعمًا إماراتيًا هائلًا وشبكة إمداد إقليمية بالأسلحة والمعدات، أن تجد نفسها رغم ذلك في وضع يتدهور عسكريًا وسياسيًا؟ ويرى الكاتب أن المال والسلاح، مهما كان حجمهما، لا يكفيان وحدهما لحسم حرب معقدة مثل الحرب في السودان.
ويتتبع المقال كيف نجحت القوات المسلحة السودانية، بعد خسائر كبيرة في المراحل الأولى من الحرب، في تحويل جزء من ميزان القوة عبر بناء التحالفات داخل دارفور وخارجها. ويتوقف بصورة خاصة عند تحالف الجيش مع القوات المشتركة، ثم دخول موسى هلال إلى المعادلة باعتباره زعيمًا قبليًا عربيًا من دارفور يستطيع منافسة حميدتي داخل البيئة الاجتماعية والقبلية نفسها التي شكلت تاريخيًا إحدى أهم قواعد قوة الدعم السريع. كما يربط الكاتب ذلك بسلسلة الانشقاقات التي شهدتها المليشيا، من قوبا والسافنا إلى موسى خمسين ومئات المقاتلين الذين غادروا صفوفها.
يتحدث المقال عن سلسلة إمداد ضخمة للأسلحة والمعدات أنشأتها أبوظبي لصالح الدعم السريع، وعن استخدام دول مجاورة للسودان كممرات للإمداد، ثم توسع هذا النشاط إلى إثيوبيا. لكن استنتاجه في النهاية هو أن قدرة الإمارات المالية وشبكات الإمداد التي بنتها لا تستطيع وحدها تعويض ما يراه تآكلًا متزايدًا في البنية الداخلية للمليشيا وتحالفاتها القبلية.
وبعبارة أخرى، فإن المقال لا يحاول فقط شرح لماذا تخسر قوات الدعم السريع رغم كل ما تملكه من سلاح وتمويل خارجي، وإنما يطرح فكرة أوسع: أن الحرب السودانية لا تُحسم بالطائرات المسيّرة وشحنات السلاح والأموال وحدها، وإنما أيضًا بمن يستطيع بناء التحالفات، والحفاظ على قاعدته الاجتماعية، وتفكيك تحالفات خصمه من الداخل. ويرى الكاتب أن الخطر الأكبر على حميدتي اليوم قد لا يكون هزيمة عسكرية واحدة في جبهة بعينها، وإنما أن يبدأ في فقدان القاعدة القبلية والسياسية التي سمحت لقواته أصلًا بأن تصبح قوة بهذا الحجم.
————————
الجزء 1/4
القوات شبه العسكرية السودانية هي أكثر حركات التمرد تمويلًا في العالم، ومع ذلك فهي تخسر الحرب
بقلم: توماس فان لينغه
يمكن القول إن قوات الدعم السريع السودانية تمثل واحدة من أكثر حركات التمرد تمويلًا وتسليحًا منذ عقود. فمع مليارات الدولارات من التمويل، وشحنات الأسلحة التي تصلها من الإمارات بصورة شبه يومية، كان يفترض نظريًا أن يكون الانتصار في الحرب الأهلية أمرًا سهلًا. لكن الواقع جاء على العكس تمامًا. فقوات الدعم السريع تخسر.
قليل من النزاعات شهد تحولًا في موازين الحرب بالوتيرة التي شهدتها الحرب في السودان. فمنذ اندلاع القتال في أبريل 2023، شعرت كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع المتمردة، في أكثر من مناسبة، بأن النصر أصبح في متناول اليد، قبل أن يتبدد مجددًا.
في عام 2024، كانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على ود مدني وسنار، وتقدمت حتى الحدود الإثيوبية، ما أدى إلى تقطيع مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية إلى عدة جيوب منفصلة. وبدا حينها أن الحكومة السودانية على وشك الانهيار. لكن بعد أقل من عام تقريبًا، كانت القوات المسلحة السودانية قد استعادت جميع المناطق التي فقدتها في وسط البلاد، بل وتمكنت من طرد قوات الدعم السريع من العاصمة الخرطوم. وهذه المرة، بدت القوات شبه العسكرية نفسها وكأنها على حافة الانهيار، قبل أن تتمكن قوات الدعم السريع من التغلب على دفاعات مدينة الفاشر والسيطرة على الغالبية العظمى من دارفور بحلول أواخر عام 2025.
لكن قوات الدعم السريع تجد نفسها الآن مرة أخرى في موقف دفاعي ومتراجع، وهذه المرة يبدو الوضع مختلفًا. فقد انشق عدد من القادة البارزين في قوات الدعم السريع وانتقلوا إلى الجانب الآخر خلال الأشهر الماضية، فيما تتزايد حالة عدم الاستقرار والصراعات الأهلية داخل المناطق التي تسيطر عليها القوات، وفي ميدان القتال حققت القوات المسلحة السودانية عددًا من الانتصارات المهمة.
وقد أعطى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسمه الحركي «حميدتي»، مؤشرًا على مدى سوء الأوضاع بالنسبة لقواته عندما منح القادة الميدانيين صلاحية تجاوز التسلسل القيادي العسكري، وضرب مواقع العدو وفق تقديرهم ودون الحاجة إلى الحصول على أي موافقة من القيادة العليا.
وهي خطوة من المرجح أن يصفها معظم المحللين العسكريين بأنها يائسة في أفضل الأحوال، ومتهورة إلى حد الاختلال في أسوأها.
الجزء 2/4
فاجأ الوضع الضعيف الذي تمر به قوات الدعم السريع حاليًا الأصدقاء والخصوم على حد سواء، إذ إنها، وفق كثير من المؤشرات، تمتلك تفوقًا ماديًا كان من المفترض أن يجعلها الطرف الأوفر حظًا في الخروج منتصرة من الحرب. ويرجع ذلك أساسًا إلى دور طرف خارجي واحد، هو دولة الإمارات العربية المتحدة.
فمنذ مرحلة مبكرة جدًا من الحرب، ألقت الإمارات بثقلها خلف قوات الدعم السريع. وخلال عام واحد، كانت أبوظبي قد أنشأت سلسلة إمداد ضخمة، ذات طابع صناعي، لتزويد القوات شبه العسكرية بالأسلحة والمعدات. بل إن الإمارات استعانت بدول مجاورة بأكملها لتكون نقاط عبور بين أراضيها ودارفور. وكانت طائرات الشحن تقلع بانتظام من أبوظبي وتهبط في شرق ليبيا أو تشاد، ثم تنطلق من هناك قوافل كاملة تعبر الحدود مباشرة إلى السودان.
ومع استمرار الحرب، أدخلت الإمارات إثيوبيا أيضًا إلى دائرة الصراع، وبدأت في إيصال الأسلحة مباشرة إلى داخل السودان، حيث كانت طائرات الشحن تهبط في مطار نيالا، العاصمة الإدارية لقوات الدعم السريع. وبحلول عام 2026، كانت الإمارات قد استعانت بثلاث دول على الأقل من بين الدول السبع المجاورة للسودان لدعم قوات الدعم السريع.
في المقابل، لم يكن لدى القوات المسلحة السودانية سوى عدد محدود للغاية من الحلفاء الحقيقيين الذين يمكنها الاعتماد عليهم. فقد قدمت مصر وتركيا وإيران بعض الأسلحة، لكن ما وصل منها خلال السنوات الأولى من الصراع لم يكن سوى قدر ضئيل مقارنة بحجم ما سخّرته الإمارات لدعم حميدتي.
ووجدت القوات المسلحة السودانية نفسها، في مفارقة لافتة، بعد عقود من الصراعات الداخلية التي كانت تستعين خلالها بقوات الدعم السريع لتنفيذ جانب من العمليات البرية، مضطرة فجأة إلى مواجهة عدو أكثر خبرة في القتال، وأكثر قدرة على الحركة، وأفضل تسليحًا. وسارعت قوات الدعم السريع إلى استغلال هذا التفوق، وشنّت هجمات شاملة على حاميات القوات المسلحة السودانية، التي سقط عدد منها سريعًا تحت الضغط. وكثيرًا ما كانت وحدات الجيش، ضعيفة التسليح وقليلة الخبرة، تتفرق أو تنسحب بعد مقاومة محدودة.
وبدا أن قيادة قوات الدعم السريع كانت مقتنعة في بعض المراحل بأن انتصارها أصبح نتيجة محسومة سلفًا، وأن الدعم الهائل الذي تتلقاه من واحدة من أغنى دول العالم سيكون كافيًا للاستيلاء على السلطة. لكن ما نسيته قوات الدعم السريع، وتذكرته قيادة القوات المسلحة السودانية، هو أن النصر في السودان لا يتحقق بالقوة النارية وحدها.
فبناء التحالفات والمناورات السياسية يمكن أن يكونا سلاحًا لا يقل قوة عن السلاح العسكري، وربما يفوقانه تأثيرًا.
الجزء 3/4
حلفاء في دارفور وخارجها
كان أول تحالف محوري أقامه البرهان مع أعدائه السابقين في دارفور، وهم مقاتلو الحركات المتمردة السابقة في جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة. وسرعان ما جرى جمع هذه القوى، التي ينحدر معظم عناصرها من مجتمع الزغاوة غير العربي في شمال دارفور، وإعادة تشكيلها ضمن قوة جديدة عُرفت باسم «القوات المشتركة».
وكحال قوات الدعم السريع، امتلك هؤلاء المقاتلون السابقون سنوات من الخبرة القتالية المكتسبة خلال الحروب السابقة، وهو ما مكنهم من مواجهة قوات الدعم السريع بأساليبها نفسها. فقد كانت الميزة الميدانية الرئيسية للدعم السريع أمام القوات المسلحة السودانية تتمثل في قدرتها العالية على الحركة. وكانت مجموعات هجومية سريعة تتحرك على متن سيارات «بيك أب» مزودة بالرشاشات قادرة مرارًا على الالتفاف حول وحدات الجيش الثابتة، التي كانت عقيدتها القتالية تقوم إلى حد كبير على التمسك بالمواقع وانتظار هجوم الخصم.
واستخدمت القوات المشتركة التكتيكات نفسها التي اعتمدتها قوات الدعم السريع، ولذلك تمكنت من إذاقة القوات شبه العسكرية من الكأس نفسها. فقد تعرضت مواقع الدعم السريع وقواته بصورة متواصلة للمضايقة والكمائن والمطاردة عبر المساحات الشاسعة في شمال دارفور، ما حرم الدعم السريع من فرض سيطرة كاملة على معقل الزغاوة، الذي يقع على مسافة مقلقة من مدن رئيسية مثل الفاشر والجنينة وكتم.
أما الجزء الثاني من استراتيجية القوات المسلحة السودانية القائمة على «فرّق تسد»، فتمثل في البحث عن حلفاء داخل الحزام القبلي العربي في دارفور، وهو المصدر الرئيسي لقوة قوات الدعم السريع. وهنا برز اسم واحد أكثر من غيره: موسى هلال.
ينحدر موسى هلال من قبيلة المحاميد العربية في شمال دارفور. وقد برز اسمه خلال حرب دارفور بين عامي 2003 و2010، عندما قاد أبناء قبيلته في مواجهة المتمردين الدارفوريين ضمن قوة غير نظامية موالية للحكومة أصبحت تُعرف باسم «الجنجويد». ووُجهت إلى الجنجويد اتهامات بارتكاب جرائم مروعة بحق المجتمعات غير العربية، بما في ذلك اتهامات بارتكاب إبادة جماعية. لكن الأكثر صلة بموضوع هذا المقال هو أن تلك القوات شكلت أيضًا النواة التي انبثقت منها لاحقًا قوات الدعم السريع، بعدما قررت الحكومة السودانية تحويلها إلى قوة عسكرية رسمية.
لكن عندما انضم الجنجويد إلى المنظومة الحكومية، اختار موسى هلال مسارًا مختلفًا. ففي عام 2014 أسس حركته السياسية الخاصة، «مجلس الصحوة الثوري»، وهدد بالتمرد العلني على الخرطوم. وأُلقي القبض عليه عام 2017، وظل في السجن حتى أُطلق سراحه في ربيع عام 2021، في وقت كان السودان يشهد حالة من التحول عقب نجاح الثورة، وقبل الانقلاب المشترك الذي نفذه لاحقًا حميدتي وقائد القوات المسلحة السودانية البرهان.
وعندما اندلعت الحرب بعد ذلك بعامين، توقع كثيرون أن ينضم موسى هلال إلى حميدتي، لكن هلال ومجلس الصحوة الثوري ظلا على الحياد، ورفضا الانحياز إلى أي من الطرفين. واستمر ذلك حتى فبراير من هذا العام، عندما شنت قوات الدعم السريع هجومًا مفاجئًا على المعقل القبلي لهلال في شمال دارفور.
ونجا موسى هلال من الهجوم وتمكن من مغادرة المنطقة، إلا أن ابنه حيدر وقع في الأسر وقُتل على يد قوات الدعم السريع، إلى جانب 27 شخصًا آخرين من أبناء قبيلة المحاميد. ولم يأت الهجوم من فراغ تمامًا. فقد كان هلال قد بدأ في إعلان دعمه السياسي للقوات المسلحة السودانية، وقال أمام حشد من أنصاره في أوائل فبراير إن قوات الدعم السريع تمر بأضعف حالاتها منذ بداية الحرب، كما أقر بأن بعض رجاله كانوا يقاتلون ضمن صفوف القوات المسلحة السودانية في جبهات أخرى.
وردًا على ذلك، حاولت قوات الدعم السريع تنصيب قيادة جديدة موالية لها داخل قبيلة المحاميد، لكن الخطوة جاءت بنتائج عكسية، إذ انشق بعض مقاتليها وعادوا إلى مجلس الصحوة الثوري. ويبدو أن ذلك كان الشرارة التي دفعت إلى هجوم فبراير، وهو هجوم انتهى بنتيجة كارثية بالنسبة للدعم السريع، إذ لم ينجُ موسى هلال بحياته فحسب، وإنما اتجه مباشرة إلى مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية في الولاية الشمالية، وأعلن انضمامه إلى جانب الجيش.
وقد منح ذلك القوات المسلحة السودانية أفضلية لا نظير لها هذا العام. ففي حين ينتمي البرهان وبقية جنرالات القوات المسلحة السودانية إلى النخبة العسكرية في شرق السودان، فإن هلال زعيم قبلي عربي من دارفور، وقادر على مخاطبة قاعدة الدعم الاجتماعية نفسها التي يستند إليها حميدتي. ومنذ ذلك الحين، نجح هلال في توظيف هذا الموقع، وعمل وسيطًا بين القوات المسلحة السودانية وقبائل دارفور، محاولًا إقناع زعماء آخرين بتغيير ولائهم والانضمام إلى الجانب الآخر.
وكان أول المنشقين القائد البارز في قوات الدعم السريع النور أحمد آدم، المعروف باسم «قوبا». وكان قوبا ناشطًا في صفوف الدعم السريع منذ عام 2021، ويحمل رتبة لواء، كما لعب دورًا محوريًا خلال حصار الفاشر، حيث وُجهت إليه اتهامات بارتكاب جرائم حرب مروعة. لكنه أصبح أيضًا ناقمًا على قيادة القوات شبه العسكرية بعدما تم تجاوزه عند اختيار قائد لجميع قوات الدعم السريع في شمال دارفور، فانسحب إلى منطقته الأصلية في دمرة قوبا قرب كتم.
وهناك، أقام موسى هلال اتصالًا معه. وبعد فترة وجيزة، انشق قوبا عن قوات الدعم السريع، واصطحب معه مئات المقاتلين، في خطوة وصفها قادة آخرون في الدعم السريع بأنها ضربة «مؤلمة».
وما حدث بعد ذلك كشف مدى تعمد القوات المسلحة السودانية في مساعيها لاستقطاب المنشقين من المستويات القيادية العليا. فعندما وصل قوبا إلى الخرطوم، استقبله البرهان بالأحضان، بالمعنى الحرفي للكلمة، إذ ظهر قائد الجيش أمام الكاميرات وهو يعانقه بحرارة. وأُلبس قوبا الزي الرسمي للقوات المسلحة السودانية، وحصل على ترقية عسكرية، بل ومُنح سيارة جديدة. كما جرى دمج الرجال الموالين له في صفوف الجيش بصورة شبه فورية، وتولوا مهام أمنية جنوب الخرطوم خلال أسبوعين فقط.
ورغم أن الرسالة التي حملها هذا المشهد إلى الناجين من الفاشر كانت مخزية، فإنهم لم يكونوا الجمهور المستهدف منها. فالجمهور الذي أراد البرهان أن يرى ذلك كان قادة آخرين داخل قوات الدعم السريع ممن قد يحملون ضغائن أو تراودهم شكوك بشأن الاستمرار في القتال. وكانت الرسالة واضحة: اعبروا إلى الجانب الآخر، ولن تُغفر لكم جرائمكم فحسب، وإنما ستتم مكافأتكم بسخاء أيضًا.
وقد أطلقت هذه السياسة موجة متواصلة من الانشقاقات استمرت حتى اليوم. ففي مايو، أعلن قائد قوات الدعم السريع «السافنا» انشقاقه عنها في بيان مصور نُشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكما حدث مع قوبا، ظهر السافنا لاحقًا في مؤتمر صحفي في الخرطوم مرتديًا زي القوات المسلحة السودانية، وأعلن عزمه العودة إلى الجبهة والقتال إلى جانب الجيش ضد المتمردين.
ثم في أغسطس، وبعد الهزائم العسكرية التي مُنيت بها قوات الدعم السريع في محيط مدينة الأبيض، انشق قائد آخر عنها. فقد توجه العميد موسى خمسين إلى مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية برفقة 300 من رجاله. وكان قوبا في انتظاره على الجانب الآخر لاستقباله علنًا.
وهكذا أصبح المقربون السابقون من حميدتي يتجمعون الآن في المعسكر المقابل.
الجزء 4/4
جيش أجوف
كان أثر هذا الاستنزاف الداخلي لقوات الدعم السريع واضحًا خلال هذا الصيف. فقبل بضعة أشهر فقط، بدا أن قوات الدعم السريع تستعد لشن هجوم واسع على مدينة الأبيض، التي كانت القوات شبه العسكرية تطوقها بالفعل من ثلاث جهات. وصدرت تحذيرات من تكرار سيناريو الفاشر، حيث يُعتقد أن نحو ستين ألف شخص ربما لقوا حتفهم بعد أن اجتاحت القوات شبه العسكرية دفاعات المدينة.
لكن عندما شنت القوات المشتركة هجومًا محدود النطاق في شمال دارفور خلال يونيو، لم تكن لدى قوات الدعم السريع قوات إضافية يمكنها الاستعانة بها، واضطرت إلى سحب عناصر بشرية بالغة الأهمية من جبهة الأبيض وإعادة نشرها في دارفور للحفاظ على خطوطها هناك. ونتيجة لذلك، لم ينطلق هجوم الدعم السريع على الأبيض أصلًا. بل إن القوات المسلحة السودانية قلبت الموازين وشنّت هجومًا مضادًا ناجحًا شمال المدينة، وفتحت الطريق إلى العاصمة الخرطوم للمرة الأولى منذ سنوات، وبذلك أزالت أي تهديد بفرض حصار من قوات الدعم السريع على الأبيض في المستقبل القريب.
ويبدو أن قائد قوات الدعم السريع حميدتي بدأ، وإن كان متأخرًا، يدرك حجم تأثير هذه الانشقاقات. فقد شرع مؤخرًا في عقد لقاءات مع زعماء القبائل في دارفور، وأطلق حملة جديدة للتعبئة القبلية تُعرف في المنطقة باسم «الرسان»، أي إطلاق القوات وحشدها للقتال. وقد حققت هذه الحملة قدرًا من النجاح، بعدما تعهدت عدة قبائل بتقديم آلاف الرجال لقوات الدعم السريع.
لكن تعزيز صفوف الدعم السريع المستنزفة بهذه الطريقة لا يخلو من المخاطر. فالتوترات بين المجتمعات القبلية واقع متجذر في دارفور، ولم تختف هذه التوترات لمجرد أن رجال تلك القبائل أصبحوا يعملون تحت المظلة الأوسع لقوات الدعم السريع. ومن بين القبائل التي استجابت لدعوة التجنيد الجديدة قبيلة بني هلبة، التي تخوض صراعًا مفتوحًا مع قبيلة السلامات، وهي جماعة عربية أخرى تعيش في دارفور وتشكل جزءًا من التحالف الأوسع لقوات الدعم السريع.
وخلال جولات سابقة من القتال، عُرف عن مقاتلين في الدعم السريع ينحدرون من بني هلبة أنهم تركوا مواقعهم في خطوط المواجهة وعادوا إلى مناطقهم، حيث وجهوا الأسلحة التي حصلوا عليها حديثًا ضد قبيلة السلامات.
ويجد حميدتي نفسه الآن في موقف صعب. فبعد ثلاث سنوات من الحرب الشاملة، تعرضت صفوف قوات الدعم السريع لاستنزاف كبير. كما يتزايد الاستياء وسط القبائل العربية التي تدعمها، بسبب التنافسات القبلية، والخسائر الكبيرة في أعداد الشباب على جبهات القتال، فضلًا عن تنامي الشعور بانفلات القانون والأمن في مناطقهم. ومن خلال تسليح المزيد من أبناء هذه القبائل، يخاطر حميدتي بوضع الأسلحة في أيدي أشخاص قد ينقلبون عليه عاجلًا أو آجلًا.
وفي الوقت نفسه، تواصل الإمارات دعم قوات الدعم السريع بكل ما تستطيع. وقد وسعت مؤخرًا عملياتها في إثيوبيا، بما أتاح لآلاف من مقاتلي الدعم السريع الانتقال جوًا إلى هناك ومهاجمة السودان من الشرق، وفتح جبهة جديدة تضطر القوات المسلحة السودانية إلى تحويل جزء من مواردها إليها، وهو ما قد يحرمها من تحقيق النصر في جبهات أخرى.
لكن حتى الموارد المالية الهائلة التي تمتلكها الإمارات لا يمكنها أن تحقق كل شيء. ففي نهاية المطاف، من المرجح أن تكون موازين القوة والبنى القائمة أصلًا داخل السودان هي العامل الحاسم. ولسنوات، استفاد حميدتي من هذه البنى نفسها عبر تقديم نفسه بوصفه مقاتلًا من أجل الحزام القبلي العربي في دارفور.
أما الآن، ومع منافسة موسى هلال له على تمثيل هذه القاعدة نفسها، فقد أخذت الحرب في السودان منعطفًا دراماتيكيًا. وربما يكون فقدان قوات الدعم السريع المحتمل لقاعدتها الاجتماعية لمصلحة منافسين آخرين، أكثر من أي هزيمة عسكرية سابقة، هو العامل الذي ينذر في نهاية المطاف بسقوط تمرد حميدتي.
نقلا عن موقع قلب أفريقيا – رئيس التحرير /لؤي عبد الرحمن

